محمد هادي معرفة
47
شبهات وردود حول القرآن الكريم
غضب الربّ وإمّا أن نأخذ التعبير على حقيقته ليكون التنّور مفجر الماء . غير أنّ التنّور - في أصله - اسم لما يخبز فيه ، والكلمة فارسيّة واستعملتها العرب بلا تحوير . قال ابن دريد : التنّور فارسيّ معرّب . لا تعرف العرب له اسما غير هذا ، فلذلك جاء في التنزيل لأنّهم خوطبوا بما يعرفون . وقال ابن قتيبة : روي عن ابن عبّاس أنّه قال : التنّور بكلّ لسان ، عربىّ وعجمي . « 1 » واستعير لمفجر الماء . والتنانير : ينابيع الماء ، حيث تفور كما يفور التنّور بالنار . قال الفيروزآبادي : التنّور : كلّ مفجر ماء ، ومحفل ماء الوادي أي مجتمعه . وتنانير الوادي محافله ( مواضع تجتمع فيها المياه ) وهي الوهاد والمستنقعات في البراري . ومعنى الآية على ذلك : وفارت تنانير الأرض أي فاضت ينابيعها وثارت . وهكذا جاء التعبير في سورة القمر : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ . « 2 » فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً « 3 » وهل يعيش إنسان في مثل هذا العمر الطويل ؟ الأمر الذي لم يكد يكون معروفا وحتّى في القرون الماضية ، هؤلاء الفراعنة في مصر نجد أجسامهم كأجسام أهل هذه الأيام وأعمارهم لم تختلف عن أعمارنا وقد مرّ لهم أربعون قرنا أو أكثر ، فكيف يكون ذلك ؟ يقول الأستاذ عبد الوهاب النجّار : لا مانع من أن يعمّر آدم ومن قرب منه أعمارا طويلة ، لأنّ النوع الإنساني كان في بدء نشأته لم يحمل هموما ولم تعتوره الأمراض المختلفة ولم تنهك قوّته الأطعمة التي لا يقدر على هضمها ، فكان من المعقول أن يعيش طويلا . وأمّا نحن وأمثالنا ممّن كانوا قبل أربعين قرنا فقد جئنا بعد أن أنهكت النوع
--> ( 1 ) المعرّب لأبي منصور الجواليقي ، ص 213 . وراجع : جمهرة اللغة لابن دريد ، ج 3 ، ص 502 ، وج 2 ، ص 14 ؛ وأدب الكاتب لابن قتيبة ، ص 384 . ( 2 ) القمر 54 : 11 - 13 . ( 3 ) العنكبوت 29 : 14 .